حسن بن موسى القادري
143
شرح حكم الشيخ الأكبر
--> - وروى ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن الكمال ؟ فقال : « قول الحق ، والعمل بالصدق » . وأوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام : « إني إذا أحببت عبدا ابتليته ببلاء لا تقوم له الجبال ؛ لأنظر كيف صدقه ؛ فإن وجدته صابرا اتخذته وليا وحبيبا ، وإن وجدته جزوعا يشكوني إلى خلقي خذلته ولم أبال » ، فكتمان المصائب من علامات الصدق ، وكذا كتمان الطاعات وكراهة اطّلاع الخلق عليها . ودرجة الصديقين أعلى الدرجات بعد النبوة قال تعالى : فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ [ النساء : 69 ] . وقال تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا [ مريم : 41 ] . وقال تعالى : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ [ الزمر : 33 ] : يعني محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، وَصَدَّقَ بِهِ : يعني أبا بكر رضي اللّه عنه ، فإنه صدّق النبي صلى اللّه عليه وسلم . ولذا قال عليه السلام : « دعوا لي صويحبي فإني بعثت إلى الناس كافة ، فلم يبق أحد إلا قال لي : كذبت إلا أبا بكر فإنه قال لي : صدقت » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « قلت لجبريل ليلة أسري بي : إن قومي لا يصدقوني فقال : يصدقك أبو بكر وهو الصدّيق » . وعنه صلى اللّه عليه وسلم : « يا أبا بكر إن اللّه سمّاك الصديق » . والصدق عند العارفين : حالة ينشأ عنها الفعل بالهمة فيقال : فلان من أهل الصدق إذا كانت الأشياء تنفعل عن همته . قال في الفتوحات في الباب السادس والثلاثين ومائة ما معناه : الصدق قوة الإيمان ، ولصاحب الفعل بالهمة ، قيل لأبي يزيد : ما اسم اللّه الأعظم الذي تنفعل به الأشياء فقال : أروني الأصغر حتى أريكم الأعظم ما هو إلا الصدق أصدق وخذ : أي اسم شئت ، فإن أسماء اللّه تعالى كلها عظمة ، وهو نعت إلهي ، ولا يكون الصادق صادقا ما لم يقم به الصدق ذوقا ، فإذا قام به كان نائبا عن اللّه في الأشياء ، فلا يغلبه شيء منها توجه له بهمته ، فإن لم يوجد منه هذا الحال فليس القائم به هو الصدق الذي هو النعت الإلهي ، بل أمر ظهر بصورته كظهور الشبهة بصورة الدليل . وله حال ومقام : فمن تعلّق صدقه بالكون من حيث التأثير فيه كان صاحب حال . ومن تعلّق صدقه باللّه تعالى كان صاحب مقام ؛ لعدم الأثر عنه ، فإنه تعالى ليس محلا لتأثير غيره فيه ، فيكون صاحب هذا المقام صادق التوجه إلى اللّه تعالى . -